الشيخ محمد رشيد رضا
201
تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )
الامر ألف نسمة فإذا هم اختاروا من أنفسهم بالانتخاب أو القرعة مئة أو مئتين للقيام بما ذكر حصل المقصد بذلك وكان ما يقررونه إجماعا من الأمة . ويرجع الناس إلى الباقين في الأمور الخاصة بمكانهم كالشورى في القضاء والإدارة . وهذا ما يظهر لي انه أقرب ما يتحقق به العمل بالآية ( المسألة الرابعة أولو الامرهم أهل الاجماع ) بينا ان أصول الشريعة الأساسية هي الأربعة المبينة في هذه الآية ، وطبق ذلك بعض المفسرين الأصوليين على الأصول الأربعة التي عليها مدار علم أصول الفقه - وهي الكتاب والسنة والاجماع والقياس - وجعلوا الآية حجة على مشروعية الاجماع وهي لعمري أقوى دلالة عليه من آية ( 4 : 114 وَمَنْ يُشاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ ما تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدى ) الآية ، بل لا تدل هذه على الاجماع الأصولي كما سيأتي في تفسيرها من هذه السورة ، وجعلوا معنى رد المتنازع فيه إلى اللّه ورسوله هو القياس الأصولي . واشترطوا ان يكون أهل الاجماع هم المجتهدين وكذلك أهل القياس وعلى هذا يشترط في أعضاء مجلس النواب الذين يسمون في عرف العثمانيين بالمبعوثين وفي أعضاء المحاكم والمجالس ان يكونوا من المجتهدين ولا يكون لهم صفة تشريعية بغير ذلك ، وهذا هو الذي يفهم من علم الأصول وقد علمت رأينا فيه وسنزيدك إيضاحا قال الرازي في تفسيره الكبير في المسألة الثانية من مسائل الآية : اعلم أن هذه الآية آية شريفة مشتملة على أكثر علم أصول الفقه وذلك لان الفقهاء زعموا ان أصول الشريعة أربعة الكتاب والسنة والإجماع والقياس وهذه الآية مشتملة على تقرير الأصول الأربعة أما الكتاب والسنة فقد وقعت الإشارة اليهما بقوله تعالى « أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ » فان قيل أليس ان طاعة الرسول هي طاعة اللّه فما معنى هذا العطف قلنا قال القاضي الفائدة في ذلك بيان الدلالتين فالكتاب يدل على أمر اللّه ثم نعلم منه أمر الرسول لا محالة والسنة تدل على أمر الرسول ثم نعلم منه أمر اللّه لا محالة